الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
80
نفحات القرآن
فالحديث في الآية السابقة يدور حول حضور الأعمال ، وتتحدث هذه الآية عن احضار الأعمال ، أي إنّها تتناول موضوعاً أوسع ، ووِفقها فإنّ اللَّه تعالى وبقدرته المطلقة يحضر جميع الأعمال الصالحة والسيئة شاء صاحبها أم أبى ، ولذا قال بعض المفسّرين : إنّ هذا التعبير هو أكثر إخافة وفزعاً من تعبير الآية السابقة . ونواجه في الآية الرابعة تعبيراً جديداً أيضاً حول هذا الموضوع ، قال تعالى : « وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَاكَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَّاكَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ » . « بدا » : مشتقّة من مادة ( بدو ) بمعنى الظهور التام ، ولهذا قالوا للبراري ( البادية ) لظهورها بعكس المدن التي كانت تحاط بالأسوار والحصون فتختفي وراءها . « سيئات ما كسبوا » : تعني أعمال السوء ، وقد فسّرها البعض بمعنى جزاء هذه الأعمال ، أو أنّهم قدروا كلمة جزاء ، ولكن ظاهر الآية يفيد أنّ أعمالهم السيئة تظهر واضحة جلية في ذلك اليوم ، وذلك لأنّ السيئات - جمع سيئة - تعنى العمل السيء وليس سوء العمل ( تأمل جيداً ) . ومن الممكن أن يكون هذا التعبير إشارة إلى أنّ الكثير من الأعمال السيئة في هذا العالم تخفي صورتها الحقيقية مثل الرياء الذي يراد به غير اللَّه تعالى ، ولكن في ذلك اليوم وهو يوم الكشف عن السرائر ويوم الظهور يكشف عن الوجه الحقيقي لجميع الأعمال ، كما نقرأ في الحديث الوارد عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله في تفسير هذه الآية : « هي الأعمال حسبوها حسنات فوجدوها في كفة السيئات » . وهذا الحديث بدوره شاهد آخر على نظرية تجسّم الأعمال « 1 » .
--> ( 1 ) . تفسير روح البيان ، ج 8 ، ص 121 .